أحمد بن محمد المقري التلمساني

308

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

قال أبو عمران بن سعيد : دخلت عليه وهو مسجون بدار الأشراف بإشبيلية ، وقد بقي عليه من مال السلطان اثنا عشر ألف دينار قد أفسدها في لذّات نفسه ، فلمّا لمحني أقبل يضحك ويشتغل بالنادر والحكايات الظريفة « 1 » ، فقلت له : قالوا : إنك أفسدت للسلطان اثني عشر ألف دينار ، وما أحسبك إلّا زدت على هذا العدد لما أراك فيه من المسرّة والاستبشار ، فزاد ضحكا ، وقال : يا أبا عمران ، أتراني إذا لزمت الهمّ والفكر يرجع عليّ ذلك العدد الذي أفسدت ؟ ثم فكر ساعة وأنشدني : [ الخفيف ] ليس عندي من الهموم حديث * كلما ساءني الزمان سررت أتراني أكون للدهر عونا * فإذا مسّني بضرّ ضجرت « 2 » غمرة ثم تنجلي فكأني * عند إقلاع همّها ما ضررت [ من شعر أبي عيسى لبّ بن عبد الوارث القلعي ] وقال النحوي اللغوي أبو عيسى لب بن عبد الوارث القلعي « 3 » : [ الطويل ] بدا ألف التعريف في طرس خدّه * فيا هل تراه بعد ذاك ينكّر « 4 » وقد كان كافورا فهل أنا تارك * له عندما حيّاه مسك وعنبر وما خير روض لا يرفّ نباته * وهل أفتن الأثواب إلّا المشهّر « 5 » وقال : [ الوافر ] أبى لي أن أقول الشعر أني * أحاول أن يفوق السحر شعري وأن يصغي إليه كلّ سمع * ويعلق ذكره في كلّ صدر قال الحجاري : أخبرني أنه أحبّ أحد أولاد الأعيان ممّن كان يقرأ عليه ، فلمّا خلا به شكا إليه ما يجده ، فقال له : الصبيان يفطنون بنا ، فإذا أردت أن تقول شيئا فاكتبه لي في ورقة ، قال : فلمّا سمعت ذلك منه تمكّن الطمع منّي فيه ، وكتبت له : [ الكامل ]

--> ( 1 ) في ب : « الطريفة » . ( 2 ) ضجرت : يئست . ( 3 ) هو لب بن عبد الوارث أبو عيسى اليحصبي النحوي ، من أهل المائة السابعة . نظر في الفقه ثم مال إلى العربية فبلغ منها إلى غاية . بغية الوعاة ج 2 ص 269 . ( 4 ) الطرس : الصحيفة ، وفيها استعارة . ( 5 ) أفتن : اسم تفضيل من الفتنة .